طور حياتك

عن المفارقة في حياة الإنسان


المفارقة هى جوهر الحياة الإنسانية، وهى صانعة الدراما في عالم البشر؛ كأن تأتي الأحلام في غير زمانها ومكانها، وبعد أن يكون الإنسان قد سئم انتظارها، وفقد فرحة تحققها وربما فقد أيضًا القدرة على الاستمتاع بها! ومن أشكال المفارقة أن يقترب منك الإنسان أو الرفيق الجدير بالبعد، ويبتعد عنك من هو جدير بالقرب! وأن تلتقي الشخص المناسب في الزمان والمكان غير المناسبين، فلا تجني من رؤيته ولقائه إلا الحسرة ووجع البعاد!

والمفارقة (Paradox – بارادوكس) كلمة يوناينة تعني مخالفة أو مجاوزة الاعتقاد العام أو المنطق السليم لوقوع ومسار الأحداث، ولهذا فهى تبدو عند حدوثها متناقضة وعبثية الدلالة والمعنى، ولكنها تظل رغم ذلك مثيرة للدهشة والتأمل، وملهمة لأفكار كثيرة في الفلسفة بقدرتها المذهلة على تحدي العقل الإنساني ، ودعوته لإعمال الفكر بحثًا عن معانٍ فيها غائبة، ودلالات مقبولة، وحكمة مفقودة.

ولأن طريق الحكمة والفلسفة طويل وشاق، ولا يصل لنهايته إلا أحاد البشر، فإن تكرار وقوع المفارقات في حياة البشر يحول معظمهم إلى ساخرين عظام؛ لأن الإنسان القوي يعيش المفارقة الأولى والثانية في حياته كمأساة مثيرة لكثير من الحزن، أما ما يأتي بعد ذلك من مفارقات فيعيشها كملهاة مثيرة للسخرية؛ ويتحول من رؤية التراجيديين اليونانيين العظام مثل إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس إلي رؤية وسخرية أرستوفان الكاتب المسرحي اليوناني الكبير.

وأظن أن هذا التحول ضرورة وجودية، لكي يستطيع الإنسان مواصلة رحلة حياته، وتقبل الواقع والتوقف عن التفكير والبحث عن منطق معقول لتفسير الأحداث ومفارقات الحياة والعلاقات الإنسانية.

وهناك نماذج لمفارقات عديدة صادفت المرء في حياته، ولا تزال تثير بداخله الكثير من الدهشة والتأمل، ومن أمثلتها – بالإضافة إلى ما ذكرته في مقدمة هذا المقال – حادثة وفاة شاعر القصة القصيرة والروائي الجنوبي الراحل يحيى الطاهر عبدالله؛ ففي أوائل عام 1981، أجرى حوارًا صحفيًا مع الأستاذ سمير غريب، نُشر بمجلة المستقبل، وقال فيه: “أنا لي عمر حريص عليه، أنا وصلت للسن الحرجة، أنا شاب، أديب شاب”.

ولكن تشاء الأقدار أن يرحل بغتة عن دنيانا بعد ثلاثة شهور من إجراء هذا الحوار إثر حادث أليم على طريق القاهرة الواحات، وهو في الثالثة والأربعين من عمره؛ وتلك من مفارقات القدر في حياة يحيى الطاهر عبدالله؛ ففي اللحظة التي بدأ يشعر فيها بقيمة الحياة وبمرور العمر، وحتمية التركيز على موهبته، وإكمال مشروعه الأدبي، يموت!

ومن المفارقات العجيبة في حياة الأدباء الكبار، أن أغلبهم عاش حياة مأساوية، في قمة الإحباط واليأس وقسوة العيش، وتحققه مجده الأدبي بعد موته؛ مثل الأديب الإسباني “سرفانتس” الذي كتب روايته “دون كيشوت” ليسخر من أوهامه البطولية ويسفه أحلامه في حياة الفرسان، لتصبح الرواية بعد موته من أهم كلاسيكيات الأدب العالمي، وبالتالي خلدت اسمه للأبد. وكذلك الأديب الفرنسي “مارسيل بروست” الذي كان إنسانًا فاشلًا بامتياز، لم يستقر في وظيفة حقيقية طوال عمره، وظل يكتب روايته “البحث عن الزمن الضائع” لعشرين سنة، فلم يطلع عليها أحد في حياته، لتصبح بعد موته من أهم الأعمال الأدبية، وملهمة للكثير من الأدباء من بعده، وليصبح هو أعظم كاتب في الغرب بعد شكسبير!

ومن مفارقات الحياة والعلاقات الإنسانية، أن يسيء إليك أحدهم، على نحو صادم لم يكن يخطر بالبال، ثم يطلب الغفران، فتأبى روحك إلا إسقاط وجوده من حياتك، لا لأنه عديم القيمة في حياتك، ولكن لأنه الشخص الوحيد الذي لم تتصور يوماً أن يخطئ في حق ما بينكما، ويعتذر ويطلب السماح، وتفضل لذلك إسقاط وجوده من حياتك، مهما تألمت لذلك!

وكذلك من مفارقات العلاقات الإنسانية، أن تبتعد مضطرًا عن أحدهم، بحيث تتجنب تمامًا أن تراه أو يراك، ويظل رغم ذلك يسكنك وأقرب الناس لقلبك وعقلك، وتظل على يقين أنك لو ضاقت بك الحياة في قادم الأيام وتقطعت بك سبل الراحة والاستقرار، سوف تلجأ إليه وتجد عنده راحتك وطوق نجاتك، كما عهدته دائمًا، ورغم ذلك فأنت تعلم في داخلك جيدًا أنك لن تعود أبدًا.

أما المفارقة الأخيرة – التي سوف أذكرها هنا- فهى مفارقة وجودية مثيرة للتأمل والحيرة، وتتمثل في أن أكثر البشر فاعلية وتحققًا في الوجود، واستمتاعًا بالحياة، هما: المؤمن المفكر الواعي، الذي يعتقد بوجود الله، وأنه هو الفاعل على الحقيقة، والرازق على الحقيقة، وأن ذات الله وقدراته ومقاديره لا متناهية، وأنه مسكون بقبس من روح الله تجعله إنسانًا ربانيًا لا تحد إرادته حدود، ولا يستوعبه ملكوت. أما الشخص الثاني فهو الملحد، الذي لا يعترف بوجود الله، ويرى أن كل شيء مباح، كما اعتقد “إيفان” بطل رواية “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي، ومن ثم يُطلق لإرادته العنان في الاستمتاع بحياته الأرضية، والاستثمار في وجوده العابر، ليصبح متجاوزًا لكل حدود في ذاته وقدراته وخياله وأحلامه!

في النهاية أظن أن كثيرًا من تلك المفارقات لا يمكن تفسيره بالعقل، وهى لذلك أكبر دليل على وجود إله للكون يدبر الأمر بمشيئته، حتى وإن عجزت عقولنا عن إدراك حكمته، وهى أكبر دليل كذلك على مجهولية النفس الإنسانية وتعقد عوالمها الداخلية.

:: تنوية هام :: تم جلب هذا الموضوع من موقع خارجى وهذا رابط مصدر الموضوع ونحن غير مسؤلين عن المحتوى الموجود بالموضوع ولا يعبر عن موقع يلا نت، .إذا كان هذا المحتوى خاص بك وتريد معرفة لماذا تمت إضافتة هنا أو يحتوى على مواد تخضع لحقوق الطبع والنشر وتريد إزالتة إضغط هنا.